حيدر حب الله

208

حجية الحديث

وبعبارة أخرى : إنّ صياغة قانون نفي الحجيّة بلسان : الظنّ إذا لم يكن مطابقاً للواقع فليس بحجّة واتركوه ( أي ليس بمنجّز ولا معذّر ) . . هذه الصياغة عبثيّة ؛ لأنّ قيد ( إذا لم يكن مطابقاً للواقع ) لا يمكن معرفته إلا بالخروج من حال الظنّ إلى حال العلم ؛ لنعلم أنّ ظنّنا كان مطابقاً أو لم يكن ، ومن ثمّ فلن تكون هناك فائدة من وراء هذا الخطاب القانوني السالب للحجيّة ، فتأمّل جيداً . إلا إذا قيل : إنّ غاية ما تفيده هذه الآيات ليس النهي عن اتباع الظنّ أو سلب الحجيّة عن الظنّ ؛ إذ لسانها ليس لساناً قانونيّاً ، بل الإخبار عن أنّ ما اعتقدوه لا قيمة له ، من حيث كونه غير مطابق للواقع ، فيرتفع خصوص الإشكال الأخير الذي سجّلناه ؛ لأنّه يقوم على فرضية أنّنا مخاطبون قانونيّاً بهذه الآيات . وعليه ، فظاهر التقابل بين العلم واليقين والظنّ في الآيات يلغي افتراض حصر الظنّ بالظنّ غير المطابق للواقع ، فهذا لا مبرّر له ، وبهذا يُفهم أنّ هذه الآيات الكريمة لا تريد ادّعاء أنّ الظنّ لا يُطابق الواقع أبداً ، بل إنّ تعبير أنّه لا يغني من الحقّ شيئاً يغلب فيه أنّه لا ينفع صاحبه ولا يسمن ولا يغني من جوع ، فاتباع الظنون لتشكيل العقائد والأفكار أمر عبثي لا ينفع ، ولو أنّه طابق الواقع هنا وهناك ، فهذا هو المعنى العرفي من هذا التركيب ، فأنت تقول لشخص : إنّ علومك التي تعلّمتها في هذه الجامعة أو تلك لا تغني من الحق شيئاً ، أي أنّها لا تنفع ولا تسمن ولا تغني من جوع ، فهو تعبير تركيبي يقوم على فهمه كمركّب وليس على تفكيكه كمفردات ، ويراد منه ضربٌ من المبالغة في العبثيّة وعدم النفع ، وهي مفاهيم تعني في بابنا هنا عدم الحجيّة ، فلاحظ جيداً . المداخلة الثانية : أن يقال بأنّ المراد بالظنّ ليس ما لا يطابق الواقع من الاعتقاد الراجح ، ولا ما يقابل العلم مطلقاً ، بل خصوص الاعتقادات التي لا تُبنى على مبرّرات موضوعيّة ، بل تُبنى على مصالح نفسية وذاتية ، أو على إغراق في المعصية والإنكار ، أو على أوهام لا يحتاج صاحبها للكثير كي ينتبه إليها ، كتقليد الآباء ، فكلّ اعتقاد - مهما كان مستواه - يقوم على الهوى أو الوهم الواضح أو على مبرّرات غير موضوعيّة